أبي هلال العسكري
60
الصناعتين ، الكتابة والشعر
وقول أبى العتاهية : مات واللّه سعيد بن وهب * رحم اللّه سعيد بن وهب يا أبا عثمان أبكيت عيني * يا أبا عثمان أوجعت قلبي والبارد في شعر أبى العتاهية كثير ؛ والشعر كلام منسوج ، ولفظ منظوم ، وأحسنه ما تلاءم نسجه ولم يسخف ، وحسن لفظه ولم يهجن ، ولم يستعمل فيه الغليظ من الكلام ، فيكون جلفا بغيضا ، ولا السّوقىّ من الألفاظ فيكون مهلهلا دونا ؛ فالبغيض كقول أبى تمام « 1 » : جعل « 2 » القنا الدرجات للكذجات ذا * ت الغيل والحرجات والأدحال « 3 » قد كان حزن الخطب في أحزانه « 4 » * فدعاه داعى الحين للأسهال « 5 » وقوله « 6 » : يا دهر قوّم من أخدعيك فقد « 7 » * أضججت هذا الأنام من خرقك ولا خير في المعاني إذا استكرهت قهرا ، والألفاظ إذا اجترّت قسرا ، ولا خير فيما اجيد لفظه إذا سخف معناه ، ولا في غرابة المعنى إلّا إذا شرف لفظه مع وضوح المغزى ، وظهور المقصد . وقد غلب الجهل على قوم فصاروا يستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه إلا بكدّ ، ويستفصحونه « 8 » إذا وجدوا ألفاظه كزّة غليظة ، وجاسية غريبة ، ويستحقرون الكلام إذا رأوه سلسا عذبا وسهلا حلوا ؛ ولم يعلموا أنّ السهل أمنع جانبا ، وأعزّ مطلبا ؛ وهو أحسن موقعا ، وأعذب مستمعا .
--> ( 1 ) ديوانه : 261 ، 262 . ( 2 ) في الديوان : جعلوا . ( 3 ) الكذج : المأوى ( معرب ) . الغيل - بالكسر ويفتح : الغاب . الحرجات : مجتمعات الأشجار . الأدحال : مصانع تجمع الماء . ( 4 ) الحزن - بفتح فسكون : ما غلظ من الأرض ( 5 ) في الديوان : « بالأسهال » . الحين : الهلاك . وأسهل : صار إلى السهل ، وهو ضد الحزن . ( 6 ) ديوانه : 362 ( 7 ) الأخدع : عرق في المحجمتين ، وهو شعبة من الوريد . والخرق : الجهل . ( 8 ) في ط « يستصحفونه » ، وصوابه عن ا ، ب .